علم الدين السخاوي
585
جمال القرّاء وكمال الإقراء
الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ « 1 » الناسخ هو : الخاطب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه
--> ( 1 ) لا شك أن موضوع النسخ في القرآن الكريم يعتبر من أهم العلوم المتعلقة به ، ولقد اهتم به السلف والخلف وأولوه عناية فائقة وكل أدلى بدلوه في هذا الميدان الفسيح المترامي الأطراف المتشعب المسالك ، والذي لا زال مثار بحث وتدبر من كثير من العلماء على مر الأزمان ، وقد كثر المصنفون فيه فمن مسرف ومفرط فيه ، ومن مقتصد بين ذلك ، ومن منكر له بالكلية ، وكان من الذين أدلوا بدلوهم في هذا الميدان علم الدين بالسخاوي ، حيث ضمن كتابه الذي بين أيدينا هذا العنوان البارز ( الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ ) وهو في الحقيقة اسم على مسمى فهو كالجبل العظيم الراسي كمّا وكيفا . فقد شبه السخاوي هذا الموضوع بالجبل العظيم في ارتفاع قمته وضخامة منبته ، لتشعب أطرافه من ناحية وخطورته من ناحية أخرى ، لأن معرفة الناسخ والمنسوخ ليس بالأمر السهل ، بل يجب على من يلج في خضم هذا الموضوع الخطير أن يكون لديه دراية بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال الصحابة الذين عاصروا التنزيل وعرفوا التفسير والتأويل . فليس للعقل فيه مجال حتى يمكنه أن يجد ويجتهد ويستنبط بتفكيره ومهارته ، وإنما هو أمر توقيفي ممن لا ينطق عن الهوى صلّى اللّه عليه وسلّم أو ممن شاهدوا الوحي وعرفوا الناسخ من المنسوخ ، وليس عليه إلا أن يعمل فكره في معرفة صحيح ذلك من سقيمه ، وأن يغوص في بطون كتب التفسير وعلوم القرآن ليقف على ما توصل إليه العلماء الجهابذة في هذا الشأن رحمة اللّه عليهم جميعا ، وهذا ما فعله الإمام السخاوي في كلامه على الناسخ والمنسوخ ، وسأترك هذا الفصل الضخم يتحدث عن نفسه وينبئ عما يحمله في طياته ولكن قبل أن أبدأ في تحقيقه أذكر بعض النقاط حول أهمية هذا الموضوع الخطير ، ملخصا ذلك من كتاب مناهل العرفان : - - أن هذا الموضوع كثير التعاريج متشعب المسالك طويل الذيل . - أنه كان ولا يزال مثار جدال وخلاف شديد بين العلماء . - أن أعداء الإسلام كالملاحدة والمستشرقين والمبشرين قد اتخذوا من النسخ أسلحة مسمومة طعنوا بها